ابن ميثم البحراني
388
شرح نهج البلاغة
الحادي عشر : كونه متكلَّما بلا جارحة نطق ولا لهوات ، وهو تنزيه له عن حال البشريّة . وعلمت في المقدّمات كيفيّة سماع الأنبياء عليهم السلام للوحي . فأمّا قوله : وأراه من آياته عظيما . فقيل : أراد آياته في كلامه لئلَّا يصير بين قوله : تكليما . وقوله : بلا جوارح . اعتراض غير مناسب ، والَّذي رآه من تلك الآيات ما روى أنّه كان يسمع الصوت من جهاته الستّ ليس على حدّ سماع البشر من جهة مخصوصة وله دويّ كوقع السلاسل العظيمة على الحصا الأصمّ ، وفي هذه الكيفيّة سرّ لطيف ، وكونه يسمع من الجهات الستّ إشارة إلى أنّ الكلام كان يأتيه فينتقش في لوح خياله لا من جهة بل نسبة الجهات الستّ إليه على سواء في عدم سماعه منها فلا جرم قيل : يسمع من الجهات الستّ وهو أولى من أن يقال : يسمع لا من جهة لبعد ذلك عن أوهام الخلق . فأمّا كونه كوقع السلاسل في القوّة فأشار إلى عظمته بالنسبة إليه فشبّهه بأشدّ الأصوات جرسا . وقيل : أراد بها الآيات التسع كانشقاق البحر وقلب العصا ثعبانا وغيرهما . ثمّ نبّه على عجز القوّة البشريّة عن وصف كماله تعالى بقوله : بل إن كنت صادقا إلى قوله : أحسن الخالقين . وهي صورة قياس استثنائيّ متّصل نبّه به على عجز من يدّعى وصف ربّه كما هو ، وتقديره إن كنت صادقا أيّها المتكلَّف لوصف ربّك في وصفه فصف بعض خلقه وهو جبرئيل وميكائيل وجنود ملائكته المقرّبين ، ووينتج باستثناء نقيض تاليه : أي لكنّك لا يمكنك وصف هؤلاء بالحقيقة فلا يمكنك وصفه تعالى . بيان الملازمة أنّ وصفه تعالى إذا كان ممكنا لك فوصف بعض آثاره أسهل عليك ، وأمّا بطلان التالي فلأنّ حقيقة جبرئيل وميكائيل وساير الملائكة المقرّبين غير معلومة لأحد من البشر ، ومن عجز عن وصف بعض آثاره فهو عن وصفه أعجز ، وحجرات القدس : مقارّ الطهارة عن الهيئات البدنيّة والتعلَّقات الخياليّة عن شوائب النفس الأمّارة بالسوء ، واستعار لفظ المرجحنّين لخضوعهم تحت سلطان هيبته وعظمته ، وتولَّه عقولهم : حيرتها وتشتّتها عن إدراك حقيقته بحدّ تقف عنده عظمته ، ثمّ نبّه على ما يدرك من جهة الوصف وهو ذوو الهيئات والآلات الَّتي يحترف بها ويحيط